الجوانب الخفية من مخابز انواكشوط
الخميس, 14 مارس 2013 00:30

 يعتبر الخبز المادة الأساسية والوقود الذي يتحرك به المواطن الموريتاني  ـ عامة وساكن انواكشوط خاصة ـ إلى درجة أنه يصعب تصور حياة من دونه . هذه المادة التي  دأب المواطن الموريتاني على تناولها بشكل روتيني يوميا إلا أنه لا يعرف الكثير عن ماوراء كواليسها  ، من حيث التركيب الذي قد تستعمل فيه أحيانا مواد تضر بالصحة نتيجة جهل أصحاب المخابز بذلك وانعدام الرقابة اللازمة من طرف السلطات.

مكانة الخبز في حياة المواطن الموريتاني وعدم معرفته الكثير من خفاياه ، دفع السراج إلى مط اللثام عن  بعض القضايا التي تهم هذه المادة التي تشكل إلى جانب الماء عصب حياة الموريتاني ، وذلك عبر جولة ميدانية لمندوبها طالت العديد من مخابز العاصمة ،  سعيا إلى دقة الوصف واحترام الموضوعية. وقد عاد المندوب بالتقرير التالي : 

اهتمام بالربح وإغفال للمنتوج 

طالت الجولة الميدانية التي قيم بها في سبيل إنجاز هذا التقرير أربع مخابز أساسية تقع في كل من لكصر تيارت ، دار البركة ، دار النعيم . وقد كان العامل المشترك بين كل هذه المخابز هو عدم الاكتراث بطبيعة المواد التي تدخل في تكوين مادة الخبز، فا"لفارين " مثلا التي تعتبر أحد مكونات الخبز الأساسية يلاحظ عدم قدرة أصحاب المخابز على تمييز المغشوش منها من غيره ، إذ المعول عليه فقط هو السعر" الغلاء أو الرخاصة ". أما الخميرة فيلاحظ كذلك غياب معطيات عن النوعيات المتوفرة وعدم صلاحيتها كل ما عليها أنها ستنتهي سنة 2012 ، كما صرح بذلك صاحب مخبزة بدار النعيم " محمد "  "اسم مستعار"     " لا أميز بين جودة ما هو متوفر من الخميرة بالسوق إذ أن ما يهمني بالأساس هو تاريخ الصلاحية حتى لا أتسبب للمواطن في مشاكل صحية ". ويولي أصحاب المخابز اهتماما كبيرا لأ ثمان الشراء ، وبالتالي البحث دائما عن ما هو أرخص بغض النظر عن جودته ، كما يقوم به العديد منهم في ما يتعلق بمادة " الملح " التي يستخدمونها في الخبز حيث إن الملح الذي يعتادون استعماله في أغلب الأحيان هو ملح السباخ الغير مطعم باليود لأنه الأرخص رغم أنه يضر بالمستهلكين.هذا فضلا عن عدم  نظافة المياه المستعملة والتي يتم شراؤها في أغلب الأحيان من البائعين المتجولين " أصحاب العربات " ، يضاف إلى ذلك كثرة الحشرات المتواجدة في أماكن العمل . فما يهم صانعي الخبز هو أن يتمكنوا من الوصول إلى بيع أكبر قدر ممكن منه وجني الأرباح منتهزين في ذلك فرصة ضروريته  في حياة المواطن .

مخابز ظاهرها ساحر وباطنها طارد

أماكن ضيقة ، حيطان وسخة ، وأسقف تعشعش فيها العناكب ... كلها أوصاف تنطبق على معظم مخابز انواكشوط ، وهو أمر لا يطمئن على سلامة الخبز من الناحية الصحية ، كما أن التوزيع يعتمد في أغلب الأحيان على سيارات وعربات غير لا ئقة ولا تتوفر على أدنى حماية صحية. وتفتقد العمالة التي تعتمد عليها أغلب المخابز للتكوين في هذا المجال وتشكل شريحة الأحداث " الأطفال " والأجانب جزءا كبيرا منها. وقد حرص عمال المخابز على أن يكون مبتغاهم الأوحد هو إخراج أكبر قدر ممكن من الخبز من خنشة "الفارين " التي تزن 50 كلغ ، حيث يتراوح عدد الخبز المنتج ما بين 250 إلى 500 خبزة حسب نوعية الخبز والذي تعرف أسعاره تذبذبا إذ لا يوجد معيار أو ضابط يحكمه . ويميز أصحاب المخابز في مجال بيع الخبز بين المواطن العادي " المستهلك " وبين التجار الذين يجعلون من بيعه للمستهلك بضاعة أساسية تعرف إقبالا كبيرا. فبالنسبة للمستهلك العادي الذي يقتني الخبز مباشرة من المخبزة تباع له الخبزة بمبلغ 90 أو 100 أوقية  حسب الحالات ، وهو نفس السعر الذي يبيع بيه التاجر للمستهلك .أما التاجر فيشتريه بالجملة من المخبزة التي تبيع له بسعر 60 أوقية تقريبا. ورغم كل ما يطال المخابز من غياب النظافة وفقدان التكوين بالنسبة للعمالة ، إلا أن هناك طموح لدى بعض أصحابها يرمي إلى توسيعها لتشمل صناعة الحلويات كذلك ، هذا في وقت يرى فيه بعض آخر من أصحاب المخابز ضرورة الرجوع إلى المخابز التقليدية حيث التكاليف رخيصة والأسعار متناسبة والأوضاع المادية للمواطنين . لكن في كل الحالات فإن  ثالوث الجودة والنظافة والتكوين يبقى اللؤلؤة المفقودة .

مشاكل عالقة رغم أهمية الدور الذي تلعبه المخابز في سبيل توفير الأكسجين الذي يتنفس به المواطن الموريتاني  "الخبز " إلا أن باقة من المشاكل تعترض تطورها لا تزال عاجزة عن تجشمها نتيجة تزايدها بتطور الحياة العصرية لعل أبرزها هو غياب نظام أو اتحادية لتنظيم العمل وفرض احترام الجودة ، هذا فضلا عن أن ضعف الرواتب هو الآخر يساهم في جعل هذه المهنة  مهجورة من قبل العمال الشيء الذي يدفعها للجوء إلى عمال غير مكونين ويكون من ضمنهم أحيانا أطفال والذين يشكل تشغيلهم خرقا سافرا لاتفاقية منع تشغيل الأطفال والبروتوكولات الملحقة بها والتي من بين الدول التي صادقت عليها موريتانيا. ضعف الخدمات الأساسية هو الآخر يعتبر معضلا لا يقل أهمية عن سابقه فالمياه مثلا تحصل عليها بعض المخابز عن طريق شرائها من بعض باعة المياه المتجولين والذين يبيعونها لهم أحيانا بسعر 500 أوقية للبرميل وهو ثمن غال إذ أخذ بعين الاعتبار أن المخبزة تحتاج إلى براميل عديدة من المياه.

 

أما مشكل كثرة الخبز العائد فيبدو أنه لا مناص منه حسب ماقال " سيد "  "اسم مستعار" أحد ملاك إحدى مخابز تيارت " لما نقلل من إنتاج الخبز لا نحصل على المبلغ الذي ينبغي أن نحصل  عليه يوميا ولما نرفع من العرض يقل الطلب ويكثر المرجوع لذلك فالخبز العائد دائما مرتفعا وإن كنا نحاول دائما التقليص منه ".  تبقى مشاكل أخرى تتعلق أساسا بالنظافة ومشكل الأدوات التي تمكن من تحديد الوزن بشكل سريع .

 

لكن الإشكال الأساسي يتمحور حول ما إذا تمكنت المخابز من القضاء على هذه المشاكل ستستمر في إغفال الجانب الصحي للمواطن والجري وراء الأهداف المادية البحتة.