الجفاف وانعكاساته السلبية على الأمن الغذائي في موريتانيا
الأربعاء, 07 ديسمبر 2011 18:13

تصاعدت مؤخرا بموريتانيا وتيرة التحذيرات والمخاوف من تدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية جراء موجة الجفاف ونقص الأمطار التي تعيشها البلاد هذا العام، ويخشى الموريتانيون من نتائج وخيمة لهذا الوضع حيث يعتمد معظم السكان على المنتجات المحلية للرعي والزراعة،

 

ويشمل النقص في الأمطار معظم المناطق الموريتانية، ولم يتجاوز متوسط الأمطار 50%، مما تسبب في ندرة المياه والمراعي، ووضع التنمية والزراعة أمام صعوبات خطيرة، وقد بدأ المنمون في محاولة التخلص من مواشيهم، وارتفعت أسعار الأعلاف بشكل ملحوظ، في حين أن مناطق الرعي والترحال في مالي والسنغال المجاورتين تعاني هي الأخرى من الجفاف ولو بنسبة أقل. وتتساقط الأمطار سنويا في موريتانيا خلال الفترة ما بين يونيو وأكتوبر ويتراوح معدل الأمطار مابين 80 و 120 ميللمتر في المتوسط و400 ميللمتر في وادي نهر السنغال الحدود الطبيعية لموريتانيا مع جارتها الجنوبية. والطقس في الفترة مابين يونيو وأكتوبر هو طقس حار وجاف وخصوصا في المناطق الصحراوية، وتتراوح درجة الحرارة في هذه الفترة مابين 30 و 45 درجة مئوية وفي الفترة مابين نوفمبر ومايو يمتاز الطقس بالبرودة والجفاف في المناطق الصحراوية وببعض الرطوبة في المناطق الساحلية وتتراوح درجة الحرارة خلال هذه الفترة مابين 12 و30 درجة مئوية تقريبا.وكانت أنباء صحفية أفادت أن السلطات الموريتانية درست إمكانية استخدام "سحب صناعية" لتغطية العجز الكبير المسجل في الأمطار في جل مناطق البلاد وذلك بمساعدة من المملكة المغربية التي لها تجربة في هذا المجال، لكن مصادر في وزارة التنمية الريفية بموريتانيا أكدت "لـالراية" أن فشل السلطات في هذا المسعى يعود الى عدم قدرتها المالية على تطبيق هذه التقنية التي ستكلفها أكثر من مليار من عملتها الوطنية "الاوقية".وأعرب برنامج الغذاء العالمي عن "قلقه" بشأن وضعية 700 ألف شخص من سكان موريتانيا يعانون من نقص حاد في الغذاء وهو رقم مرتفع مقارنة بعدد 500 ألف المسجلة في السنوات الماضية.وأضافت ممثلة برنامج الغذاء العالمي في النيجر، دنيس ابرون، في تصريحات صحفية، إن البرنامج يتابع الوضع الغذائي "الحرج" في دول الساحل، وأنه قلق على وجه الخصوص من النقص الحاصل في الغذاء في دول مثل النيجر وتشاد وبوركينا فاسو وموريتانيا. وأكدت ابرون أن البرنامج يحتاج إلى 60 مليون دولار إضافية لتقديم الدعم للشرائح الأكثر تضررا في دول الساحل خلال الأشهر القادمة.من جانبها حذرت نقابة الأطباء البيطريين الموريتانيين من أن "شح الأغذية" يهدد "بحدوث مجاعة تودي بالثروة الحيوانية"، وطالبت "السلطات المعنية بوضع خطة وطنية واضحة لمواجهة هذا الظرف الذي لا شك أنه سينعكس سلبا على الحياة الاقتصادية والاجتماعية لجزء كبير من الشعب الذي يعتمد على التنمية في كسب قوته".وقالت النقابة إن "نقص التساقطات المطرية هذه السنة أدى إلى نقص كبير في الكثافة الرعوية على المستوى الوطني"، مشيرة إلى أن ذلك ينضاف إلى "فوضى عارمة يعاني منها قطاع البيطرة، فوضى في توزيع الطاقم البيطري - على قلته - وفوضى في توزيع الأدوية وفي مواجهة الجوائح الطارئة". في السياق ذاته قالت جمعية حماية المستهلك إن أسعار "الأعلاف المعروفة محليا بـ"ركّل" عرفت ارتفاعا كبيرا" خلال الأيام الأخيرة "عندما بلغ سعر الطن منها حوالى 85 ألف أوقية بعدما كان في حدود 65 ألف أوقية فقط".وقالت الجمعية " إن "النوعيات الأجود تجاوز سعرها حاجز 100 ألف أوقية للطن"، واعتبرت الجمعية أن "الارتفاع الصاروخي في أسعار العلف يعود إلى تراجع منسوب الأمطار لهذا العام"، وحذرت من أن ذلك "قد يدفع منمي مناطق عديدة داخل البلاد إلى تعليف أنعامهم قبل حلول فصل الصيف (الموسم المعهود لذلك) مضيفة أن "شراء كميات الأعلاف المتوفرة لدى المطاحن وشركات التوريد أوجد أزمة في معروضات هذا المنتج وزاد بالتالي من أسعاره تحسبا لارتفاع الطلب عليه".وتدخلت السلطات بمساعدات غذائية للمزارعين وبكميات من أعلاف المواشي للمنمين في بعض المناطق، لكن مصادر أخرى تحدثت عن تقارير سرية تصل إلى حكومة نواكشوط من مناطق متعددة تنذر بأخطار كبيرة، حيث بدأت بوادر أزمة اجتماعية حقيقية بموريتانيا تلوح في الأفق وخصوصا في المناطق الشرقية ذات الكثافة السكانية العالية والمعتمدة في الأساس على تنمية المواشي والزراعة المطرية.وقد تسببت هذه الوضعية في حالة من التوتر داخل بعض المجموعات القبلية التي تخشى استخدام مراعيها من طرف ملاك الأعداد الكبيرة من رؤوس الماشية المنتمين إلى مجموعات أخرى، في وقت يشكو البعض من غياب الدولة وضعف قدرتها على تنظيم الحياة في المناطق الداخلية، وبروز قوي لسلطة النفوذ الاجتماعي والقبلي .وقد لجأت العديد من المجموعات إلى منع مراعيها في الوقت الذي لا توفر الدولة ضمانات لاستفادتها من مراعي المناطق الأخرى. وأدت حالة التوتر إلى احتكاكات مستمرة بين عدد من المجموعات أسفرت في أحيان كثيرة عن مواجهات بين الأطراف المتنازعة. ويخشى مراقبون أن تتطور الأمور بفعل هذا الاحتقان ويبدون قلقلهم من تطور الأوضاع مع اشتداد أزمة الجفاف الذي تعيشه موريتانيا منذ عدة أشهر.وتقول مكفولة بنت إبراهيم رئيسة منظمة من أجل موريتانيا خضراء وديمقراطية غير الحكومية إن الوضع الحالي "ينذر بحصول كارثة من قبيل الجفاف قد لا تقل تداعياتها عما حصل في القرن الإفريقي، وأضافت بنت إبراهيم في تصريح لـ"الراية" أن "الأمر يحمل في طياته تهديدا جديا لاستقرار البلد نتيجة ما نخشى وقوعه من صراعات مسلحة بين بعض المجموعات المحلية بسبب صعوبة الوضع والتنافس الشديد على المراعي"، وفيما يخص التعامل الرسمي مع الجفاف قالت رئيسة المنظمة إنها "لم تلحظ تحركا يتماشى مع خطورة الوضع، حيث اكتفت السلطات حتى الآن بالإعلان عن إنشاء لجنة وزارية لتقييم وتحليل الوضعية الزراعية والرعوية الناجمة عن موسم خريف 2011"، واقترحت الناشطة بنت إبراهيم على السلطات من أجل التصدي لتداعيات أزمة الجفاف وتجاوزها بأقل التكاليف، أن يتم "الشروع في برنامج استعجالي لتقديم المساعدة للمنمين والمزارعين في الداخل الموريتاني مع المحافظة على الغطاء النباتي المتوفر حاليا، ووضع خطة لدعم أسعار العلف ،والعمل على إنشاء مصانع للعلف داخل البلاد، ووضع خطة لتوفير مراع دائمة.جاء إقرار السلطات الموريتانية بخطورة الوضعية متأخرا ، حيث أمر الرئيس ولد عبد العزيز في اجتماع لحكومته بتعيين لجنة وزارية مهمتها تقييم وتحليل الوضعية الزراعية والرعوية الناجمة عن حالة الجفاف في خريف 2011، الذي تميز بانخفاض حاد في نسبة تساقط الأمطار. وقال المستشار الفني لوزير التنمية الريفية الموريتاني المكلف بالاتصال سيدي ولد احمد مولود، في تصريح لـالراية: "انه على ضوء ذلك العجز هناك انعكاس سلبي على مستوى الأمن الغذائي نتيجة تراجع الزراعة المطرية التي كانت تعتمد عليها مجموعات سكانية هشة، وهناك قضية المراعي وتأثير ندرة المياه على السكان ومواشيهم".ويضيف المستشار أن " الدولة عاكفة حاليا على إنجاز خطة وطنية شاملة للتدخل من اجل التخفيف من وطأة هذه الوضعية الطارئة، والسلطات تراقب الوضع بشكل عام وهي مطلعة على تفاصيل وضع المناطق المختلفة ومدى احتياجاتها ونوعية وتوقيت التدخل التي ستعتمده في الوقت المناسب".ويضيف ولد احمد مولود:" مشكلة التنمية الحيوانية عندنا في الوقت الحاضر تتمثل في مستويين: هما المنمون البسطاء ممن يعتمدون على قطعان محدودة من الماشية هي مصدر دخلهم وهؤلاء باستطاعة الحكومة أن تتكفل بمساعدتهم وتساهم بشكل كبير للتخفيف عليهم من وطأة الجفاف. وهناك المستثمرون في مجال التنمية الحيوانية من رجال أعمال وغيرهم ومن المفترض أنهم يتحملون مسؤولياتهم في هذا المجال لأنه كان عليهم تطوير مستوى استثماراتهم نحو مصانع للألبان والجلود وغيرهما حتى يكون بإمكانهم مواجهة مثل هذه الوضعية لإنقاذ استثماراتهم، لان الدولة في مثل هذه الحالات لا تستطيع أن تتكفل بمساعدة الجميع، مع ان الحكومة وزعت هذا العام، أكثر من 1000 طن من القمح مجانا في المناطق الأكثر تضررا، كما وفرت 820 طنا من الأعلاف بسعر مخفض بنسبة 50 في المائة".في السياق ذاته التقت الراية بالمنمي المختار ولد العباس وهو يقف وسط قطيع من الأغنام جلبه للعاصمة نواكشوط لبيعه فقال: "إن ملاك المواشي في غاية التخوف على مستقبل ماشيتهم، وكثير منهم يحاول التخلص منها بالبيع ولو بثمن بخس قبل أن تتفاقم النتائج السلبية لندرة الأمطار على موريتانيا 2011، وبعضهم بدأ في الزحف بقطعانهم لاجتياز الحدود نحو مالي والسنغال، ويطالب ولد العباس الحكومة بالإسراع في مساعدة المنمين، فبعضهم ومن شدة الذعر والخشية على مواشيهم بدأ ينهار ويفقد توازنه ويصاب باختلالات عصبية، وسبق لبعض المنمين أن أصيب بحالات من الجنون وهم يشاهدون أبقارهم وهي تتساقط أمام أعينهم من شدة الجوع خلال سنوات الجفاف التي عرفتها موريتانيا في السبعينات والثمانينات من القرن المنصرم".وتعرف موريتانيا بأنها دولة غنية بالماشية مقارنة بعدد سكانها، إذ يبلغ متوسط نصيب الفرد فيها نحو خمسة رؤوس، وتعتبر تربية الحيوانات الحرفة الرئيسية للسكان البدو في موريتانيا. وكان عدد كبير من السكان يمارس تنمية المواشي قبل أن تبدأ موجات الجفاف منذ سبعينيات القرن الماضي مما أدى لظهـور اتجـاه ملحـوظ نحو الاستـقرار، خاصة في نطاق الساحل. ويشكـل الرعي وتربية الحيوانات نحو ثلاثة أرباع الاقتصاد ولذلك اهتـمت الحكومة بتشجيع القطاع الخاص على إنشاء مسالخ ومصانع للجلود والألبان وغير ذلك من المنتجات الحيوانية. وتقدّر الثروة الحيوانية في موريتانيا بنحو 16.4 مليون رأس من الضأن والماعز و1.4 مليون رأس من الأبقار و1.4 مليون رأس من الإبل، وتساهم بشكل معتبر في الاقتصاد المحلي، كما توفر عددا هاما من فرص العمل. ومن شأن الجفاف الذي تعانيه موريتانيا أن يقضي على طموحاتها في تصدير رؤوس الماشية إلى الخارج، بعدما أعلن قبل أشهر عن وجود اتصالات في هذا الخصوص مع السعودية التي أعلنت نيتها استيراد الماشية من موريتانيا لتغطية احتياجاتها من اللحوم ، هذا فضلا عن تأثير وضعية الجفاف على دور موريتانيا، كمصدّر للحيوانات والمواشي للدول المجارة خاصة السنغال والمغرب.وكان نواب بالبرلمان الموريتاني، ورؤساء أحزاب سياسية انتقدوا ما أسموه "تعتيما رسميا على كارثة وشيكة، يتوقع أن تكون انعكاساتها خطيرة على معظم مناطق البلاد"" ووجه حزب تكتل القوى الديمقراطية المعارض"نداء استغاثة لكافة الإخوة الأشقاء والأصدقاء والمنظمات الإقليمية والدولية ذات الصلة بهذا الشأن لمد يد العون لموريتانيا في هذه المحنة"، مؤكدا أن النداء يأتي "استشعارا للخطر الداهم الذي يهدد حاضر ومستقبل البلاد".وأضاف الحزب: "إن السلطات تواجه هذه الوضعية بتجاهل وإعراض كبيرين ينمان عن الكثير من عدم المسؤولية تجاه الوطن والمواطن. وحذر حزب التكتل المعارض من أن "موجة الجفاف الحالية تهدد بهجرة كبيرة من الأرياف إلى المدن وخاصة العاصمة نواكشوط إن لم تتخذ إجراءات فعالة لدعم المنمين والمزارعين".ومن جانبه اعتبر حزب اتحاد قوى التقدم "أن المجتمع الموريتاني يعيش أساسا على التنمية والزراعة وإن بأساليب متخلفة وستكون نتائج الجفاف حتما مدمرة تماما مثلما كانت نتائج جفاف سبعينات القرن الماضي كارثية حيث تزعزعت جراءه بنية البلاد الاجتماعية بشكل كبير." وأضاف الحزب أنه "أمام هذه المخاطر التي تلوح في الأفق يبقى النظام صامتا دون مبالاة بل نراه منشغلا أو متشاغلا بحسابات لا هدف لها سوى البحث عن مآرب شخصية...".الراية القطرية