أمن السلطة.. لا أمن المواطن!
السبت, 23 مارس 2013 21:06

altبقلم/ م. محفوظ بن أحمد

الأمن هو أن تطمئن على نفسك وممتلكاتك وعرضك. فهل الموريتانيون في ديارهم آمنون حقا؟

إذا كانت النفوس لا تزال آمنة في أغلب الأحوال فإن ذلك بفضل الله أولا ثم بما ترسخ في مجتمعنا من قوة الرابطة العصبية، وما ترسب فيه من حب التعايش السلمي وفطرة نبذ الجريمة والرذيلة.

وكان يفترض أن تكون قوة القانون ورهبة سلطان الدولة رادعا جديدا وثابتا ينشر الأمن والأمان والعدل.

لكن اختبار اللصوص والمجرمين لقوة سلطان القانون، وتجربتهم لصرامة العدالة وجدية الإدارة قد شجعاهم وزادا من جرأتهم وسعيهم في الأرض فسادا.

وخلاصة ذلك هي ما نشاهده اليوم من تزعزع الأمن وانتشار صولات المجرمين واللصوص التي باتت تقض مضاجع المواطنين جميعا؛ وليس فقط أولئك الذين لديهم الأموال والتجارة والمنازل الفخمة العامرة بالمتاع والزينة.. بل أيضا أمسى الهلع سميرَ المواطنين الذين لا يملكون إلا أقل متاع الحياة، وبات الخوف من طعنة دامية أو ضربة قاضية رفيقَ السائرين في السبل المتجردين من كل متاع.

ولم تعد المشكلة أن تُسلب المرأة الضعيفة حقيبةَ يدها التي فيها كل ما تملك من دريهمات معدودة لتنقلها أو لشراء الضروري من الغذاء والدواء وهاتف متواضع كان حلمها، ولا أن تستيقظ الأسرة الفقيرة ذات صباح لتجد ما تملك من ملابس ومتاع بسيط وأدوات طبخ قد اختفى دون أثر، ولا أن تعود الأسرة الفقيرة، من خرجة ضرورية، إلى منزلها الذي بنته طوبةً طوبة ولا يعلم إلا الله كيف وفرت له الفراش وجهاز التلفزيون، فتجد النوافذ مكسرة والأبواب مقتلعة والمقتنيات منتهبة.. يتم ذلك في وضح النهار أحيانا..

لا، المشكلة باتت فاجعة أخطر من هذه المصائب "التقليدية".. إنها باختصار أصبحت بالنسبة لعامة الناس: سلامة أرواحهم وأعراضهم لا غير!

اللصوص والمجرمون خلعوا أقنعتهم، ولم يعودوا مضطرين لانتظار خروج الناس من منازلهم أو إغلاق محلاتهم ولا انتظار حلول الظلام وهجوع ساكني الخيام والأعرشة في الأحياء الشعبية.. فإشهار السلاح والتهديد بالقتل يختصر الوقت ويهدي إلى المخابئ والمدخرات إن كانت.. بل إن بعض هؤلاء المجرمين رفعوا سقف بأسهم إلى الاغتصاب وقتل الضحايا.. حتى لم يعد أحد يأمن على نفسه من السير وحيدا إلى بيته أو إلى المسجد بعد الغروب وقبل الشروق!.

لا داعي لإبلاغ الشرطة! وما يندى له الجبين ويفضح تقصير السلطات وعدم اكتراثها أصلا.. هو هذا الجواب الذي يبادرك به أكثر أولئك الضحايا وغيرهم حين تسألهم عما فعلت الشرطة: فيقولون في يأس مرير: "لم أخبر الشرطة لأن ذلك مجرد عبث وتعب جديد يكون مصيبة على مصيبتي". ثم يضيف آخرُ شاهداً على ذلك: "حتى لو أوقفت الشرطة اللص أو مسكته جماعة بالصدفة وسلمته للشرطة فسيطلقون سراحه!".

هل صحيح أن الشرطة لا تستجيب لشكاوى الناس؟

وهل صحيح أن أفرادها يتحاشون مواجهة اللصوص؟

وهل صحيح أن بعض رجال الشرطة حين يمسك ـ بأي طريقة ـ بعض اللصوص يدخر لنفسه ما وجد بين أيديهم ويطلق سراحهم؟؟

من الصحيح أن الشرطة العمومية لا تتوفر على أدنى القوة والوسائل الضرورية للقبض على اللصوص ولا الحماية منهم، كما لا تملك وسائل ومتطلبات حجزهم وإحالتهم لعدالة هي الأخرى عاجزة لدرجة عدم الاكتراث.

ومن هنا لا عجب في أن أكثر اللصوص والمجرمين هم أصحاب سوابق مردوا على جرائمهم وأصبحت الشرطة والقضاء سخرية لهم، بل إن تجاربهم مع "عدالتهما" سولت لهم وأملت لهم المزيد من الإجرام.

ومن المؤكد أن 99% أو أكثر من الذين تجشموا عناء الإبلاغ عن ما تعرضوا له من جرائم اللصوص وسجلوا أسماءهم وعناوينهم بالتفصيل الممل في سجلات المفوضيات المختلفة، لم يتلقوا أي اتصالات أو إشعار، أو حتى استفسارات إضافية عن الموضوع، من طرف تلك المفوضيات ولا غيرها من مسئولي الأمن. ولا يعني ذلك سوى عدم المبالاة بهؤلاء المواطنين رغم عظم مصيبتهم وأهمية شكايتهم. فلا عجب إذن أن يعزف الناس عن تسجيل هذه البلاغات العبثية ويكفروا بسلطة الدولة نفسها بعد ذلك.

والواقع أنك حين تزور مفوضية للشرطة بعد أن يدلك الطيبون على مكانها الجديد في منزل مستأجر على شارع رملي ضيق ومظلم (بعض المفوضيات لا موئل لها)، ستجد أفرادا قلة من الشرطة ضاقت صدورهم من الهم والنصَب وأنبأت ثيابهم الرسمية الرثة وقلة أدواتهم وقذارة المكان نفسه.. عن الحاجة إلى مساعدتهم وإسعافهم بدل الاستغاثة بهم. "أمن الدولة" هو الحقيقي! كان من المنطقي أن يؤدي الحكم العسكري للبلاد إلى استتباب الأمن العام على الأقل، وأن تكون مجالات فشل الدولة التي عمت كل شيء أقل ما تكون في هذا المجال بالذات وذلك بتوجيه بعض من القوة العسكرية والأمنية الحاكمة لردع اللصوص وملاحقة المجرمين.

واليوم بعد أكثر من ثلاثة عقود فإن جهاز الشرطة العمومي، الموكل بالأمن العام، حتى قبل تهميش النظام الحالي له، يوجد في حالة صاعقة من التخلف والبؤس.

ولكم أن تتصوروا أن هذا الجهاز الأمني الذي اكتسب، في حقل السياسة، خبرة وكفاءة عاليتين في مجالات كشف الاتصالات وعلوم التجسس والبحث ومتابعة المعارضين ورصد حركات وسكنات الخصوم السياسيين في مختلف أنواعهم وأدوارهم.. هذا الجهاز، في حقل الأمن العمومي، لا يتوفر بعد كل هذه الحقب على معمل أو مختبر جنائي وطني ولا حتى على أجهزة وخبراء لرفع البصمات، كما لا يملك رافعات ولا آليات لإخلاء الممرات الحيوية من المركبات المتعطلة أو تلك المتوقفة عمدا على متن الطرق العامة!!.

ولعل أغلب المواطنين الذين تؤخذ بصماتهم بعناية الآن في الحالة المدنية لا يدركون أن "علم البصمة" هو أقوى وأفضل وسيلة لتحديد هُويات اللصوص والمجرمين والإمساك بهم في كافة أنحاء العالم منذ عقود طويلة، وتتوفر له وللمراقبة الفيديوية الأمنية من الأجهزة التقنية والكاميرات ما هو معروض في الأسواق بأبخس الأثمان!.

لقد ظلت كل الأنظمة إلى اليوم تنفق بسخاء وبدون حساب على تكوين وتدريب أجهزة أمن وحماية النظام فقط، بينما تهمل بشكل تام الأمن العام للمواطنين وممتلكاتهم حتى بلغ اليوم السيل الزبى وعم الأنجاد والربى؛ فما ذا هي فاعلة سوى تسيير هذه الدوريات التي تنتهك القانون بحظر غير معلن للتجول وتوقيف الناس بشكل عشوائي دون وجه حق، وهي ردة فعل العاجز أو العابث التي لا تحز في المفصل ولا تنفع في حل المعضل.

إن وسائل الدولة، من سيارات وأجهزة ومصادر بشرية لم تزل كلها مكرسة للخدمة السياسية، لأمن قمة النظام الذي أصبح هو "امن الدولة" وصار هو ذلك الجهاز الرهيب الذي يشعر المواطن نحوه بالرعب والخوف أكثر من شعوره بالأمن والطمأنينة.

وهكذا يتم إنشاء ورعاية كتائب مدربة ومجهزة بقدر كاف من المباني والسيارات ووسائل وعلوم القمع، ولا يُلتفت إلى جهاز الشرطة العمومي المكلف ـ نظريا ـ بالأمن العام للمواطنين. وقد تركت له بضعة مفوضيات مهترئة لا تتوفر على سيارات جاهزة ولا على إمكانيات مادية ولا بشرية كافية.. إنها بكل بساطة لا تستطيع الدفاع عن نفسها لو توفرت على أي شيء يثير اهتمام أكثر اللصوص قناعة وتواضعا.

وسواء كان تهميش الشرطة وإهمال جزئها العمومي بالذات من طرف النظام الحالي شعورا بالإحباط من أدائها أو شيئا آخر شخصيا كما يشاع، أو مجرد قرار ارتجالي طائش، فإنه لم يؤد إلى ما هو أفضل؛ بل أظهر أن التفكير الأمني للسلطات العليا لا يتجاوز مشاكل المرور وحركة الشاحنات والتاكسيات! ومن ثم ابتدع جهازا آخر غريبا لم تتضح طبيعته الرسمية (حتى سماه الناس شرطة مسغارو) وترك الشرطة وشأنها. فهل كان ذلك قصورا في إدراك مهام الشرطة وحصرها في التعامل مع السيارات والطرق، أم استخفافا بمتطلبات أمن المواطنين وبسط الطمأنينة والسكينة في أحيائهم الدانية والقصية؟! ادفعوا ضريبة الظلام! ليست مشكلة الشرطة وعوزها هي وحدها آية استخفاف سلطات الدولة ودوائرها المختلفة بالأمن العمومي وأمان المواطنين. فعشوائية التخطيط العمراني وتوزيع وترسيم الشوارع والساحات في الأصل تساهم كلها، مع عمليات الكزرة وهمجية تشريع الشوارع والساحات العمومية من طرف السلطات الإدارية نفسها، تساهم في خلق مسرح مثالي للجريمة، كما يسهم خلو هذا التخطيط العمراني من المرافق الرياضية والفضاءات العامة المهيأة قليلا للتنزه أو للنشاطات الثقافية والاجتماعية في تنشئة المنحرفين وتكوين المجرمين.

وبينما تخلو كثير من الأحياء الشعبية في نواكشوط مثلا من وجود الكهرباء أصلا فإن المناطق المزودة بالكهرباء حتى في قلب العاصمة تكاد تخلو من الإنارة العمومية حيث يخيم الظلام على الشوارع والأزقة لإكمال المسرح الإجرامي.

ولعله من شر البلية المضحك أن نعلم أن شركة الكهرباء "صوملك" تتضمن جميع فواتيرها، على أكبر الشركات وأفقر الأفراد، بندا اسمه الإنارة العمومية (Eclaira public) تجبي بموجبه مبالغ طائلة مخصصة أصلا لإنارة الشوارع التي توجد بها أعمدة الكهرباء (مثلا: الأسرة الفقيرة في حي ملح أو الرياض تدفع أكثر من 200 أوقية شهريا للإنارة العمومية وترتفع النسبة بارتفاع مبلغ الاستهلاك!!).

وكانت الشركة في السابق تركب مصابيح على بعض الأعمدة وتتعهد معظمها بالصيانة اللازمة بين فترة وأخرى لكنها تخلت منذ أمد عن هذه المهمة فتوقفت معظم تلك المصابيح وتساقطت وما تبقى منها وهو الأقل يشاهد أحيانا مضاء بالنهار ومطفأ بالليل!

بل بلغ الاستهتار إن لم نقل "التلصص" بالشركة أنها لم تعد تركب هذه المصابيح ولا توصل لها الكهرباء خاصة في معظم الأحياء الشعبية، لكنها تحافظ على اغتصاب الأموال من الفقراء سكان الحارات المظلمة على الدوام، دون استئذانهم ولا حتى علمهم!.

وهناك استثناء بارز هو بعض الشوارع الكبرى الرئيسية في العاصمة، والتي لها قصة أخرى مع عناية الدولة بها، مثل شارع جمال عبد الناصر وشارع المختار ولد داداه فهي ـ إلى الآن ـ دائمة الإنارة بشكل جميل ومتحضر ويدل ـ وحده ـ على الإنارة العمومية. وإذا كانت الناحية الدعائية السياسية لإنجاز هذه الشوارع المهمة حقا أرغمت صوملك على إنارتها كما ينبغي، فليس هناك على ما يبدو من سيرغمها على إنارة شوارع نواكشوط الأخرى وأزقة أحيائها الضيقة الخطرة، أو يجعلها تعفي ساكنيها الفقراء من دفع مبالغ إجبارية على مدى السنين باسم "الإنارة العمومية" التي لا يجدون منها سوى الأسلاك المكهربة المنثورة على الأرض بين بيوتهم شركاً للإصابة بالصعق والحرائق، أو الرعب الذي يتربص بهم مع أشباح الظلام كل ليلة!!.

إنارة: إذا كانت الدولة لا تعلم أن إضاءة الشوارع والأزقة أجدى وأنفع من دوريات القوة العسكرية كلها وتسهم ذاتيا في أمن المواطنين وشعورهم بالارتياح والاطمئنان، فضلا عن مساعدة بعضهم في توفير ثمن "الصندل" والوقاية من مخاطره (خاصة أن المواطنين يدفعون ثمن هذه الإضاءة).. فأين حماية المستهلك وباقي منظمات المجتمع المدني وما رأيها في ما يحصل عليه مستهلكو الكهرباء مقابل ما تأخذه منهم،عنوة أو خلسة، شركة الكهرباء الحكومية باسم الإنارة العمومية؟!